أهازيج الحنين وقلق الانتظار.. حكاية المدرهة في ذاكرة المجتمع اليمني
بقلم :أمة المجيد البكري
تعد "المدرهة" واحدة من أقدم العادات الشعبية المرتبطة بموسم الحج في اليمن، وهي من الطقوس التراثية المتوارثة منذ مئات السنين، ارتبط بتوديع الحجاج وانتظار عودتهم واستقبالهم وسط أجواء مفعمة بالشوق والدعاء والفرح
اشتهرت هذه العادة في صنعاء وبعض المناطق والقرى اليمنية،حيث ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية بوصفها جزءا من الموروث الاجتماعي المرتبط بالحج ومكانته في نفوس اليمنيين.
لم تكن المدرهة مجرد ارجوحة شعبية خالية من الدلالات، بل مثلت رمزاً اجتماعيا وإنسانيا يعكس مكانة فريضة الحج في نفوس اليمنيين، ويجسد حالة القلق والترقب التي كانت تعيشها الأسر خلال رحلة الحج قديما،حين كانت الرحلة شاقة وطويلة وقد تستمر لأشهر.
كانت المدرهة تُنصب عادة في فناء منزل الحاج أو في ساحة قريبة منه،ليجتمع حولها الأقارب وأهالي القرية من رجال ونساء وأطفال وشيوخ،في مشهد يعكس روح التكاتف والترابط الاجتماعي.
ويتأرجح المشاركون على المدرهة ويرددون اهازيج وتواشيح شعبية بألحان حزينة وشجية، تحمل معاني الشوق والخوف والدعاء بعودت الحاج سالماً.
ومن هذه الأهازيج التي كانت تردد :
"ياريت من ساير الحجاج للطائف..
من حج هذه السنة قلبي عليه خايف "
كما كانت النساء يرددن:
"درهي يالمدرهة درهي للغالي..
درهي يا المدرهة درهي واشتاقي..
درهت لك بنتنا نورة البستاني "
وتُصنع المدرهة من أخشاب قوية تُربط بحبال متينة أو سلاسل حديدية محكمة،إذ كان الناس يعتقدون أن انقطاع الحبال نذير شؤم بمكروه قد اصاب الحاج.
كما ترمز حركة الأرجوحة إلى اضطراب مشاعر أهل الحاج بين القلق والشوق،بينما يعكس شد الحبال تمسكهم بالأمل والدعاء بعودته سالماً.
ولا تُزال المدرهة مباشرة بعد عودة الحجاج، بل تظل منصوبة لشهرين أو اكثر ،تعظيماً لفريضة الحج، وفرحاً بعودة الحجاج بعد رحلة كانت تُعد من أصعب الرحلات وأكثرها رهبة في حياة اليمنيين قديماً.
ورغم تراجع حضور هذه العادة، ماتزال المدرهة حاضرة في الذاكرة الشعبية بوصفها أحد الطقوس التراثية التي تختزل عمق الموروث الاجتماعي والتلاحم بين الناس.