...
لتسجيل إعجابك!!! يرجى تأكيد التسجيل من خلال اللإيميل تأكيد الحساب
لتسجيل إعجابك!!! يرجى تسجيل حسابك معنا إنشاء حساب
سيدات خلف المقود

 

يمنيات يقتحمن سوق تعليم القيادة: من سيارات خاصة إلى مراكز تدريب

 

             ✍️ : امة المجيد البكري 

قبل ست سنوات، لم تكن صفاء عبد الحميد تخطط لإطلاق مشروع خاص بها. بدأت الفكرة حين شرعت بتعليم قريباتها قيادة السيارة باستخدام مركبتها الشخصية في محافظة إب، وسط اليمن. غير أن الإقبال المتزايد من نساء وفتيات يبحثن عن مدربة امرأة كشف عن فجوة واضحة في سوق التدريب، لتتحول المبادرة الفردية تدريجياً إلى نشاط منظم درّب مئات النساء، وانتهى بافتتاح مركز مخصص لتعليم القيادة مطلع هذا العام.

تقول صفاء إن غياب مراكز تدريب مخصصة للنساء في المحافظة، إلى جانب صعوبة التحاق كثيرات بمعاهد مختلطة، شكّل فرصة غير مستغلة. ومع تزايد الطلب، بدأت بتنظيم الدورات، محددة مدة التدريب وأجوره، ومقسمة البرنامج بين جانب نظري وتطبيق عملي. خلال سنوات عملها، درّبت قرابة 900 متدربة، بمعدل ثلاث إلى خمس متدربات أسبوعياً، مستندة إلى سيارتها الخاصة قبل أن تطلق مركزها الجديد.

لم يقتصر نشاطها على إب، بل دفعتها طلبات متدربات من منطقة الحوبان في تعز إلى تقسيم أسبوعها بين المحافظتين، في خطوة توسعية تعكس تنامي الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات. وتؤكد أن المشروع، وإن انطلق بدافع إنساني، أصبح اليوم مصدر دخل مستقر، وقطاعاً ناشئاً تقوده النساء في مجال ظل لسنوات حكراً على الرجال.

 

فجوة في السوق… وفرصة للنساء

تجربة صفاء لم تكن استثناءً. في محافظة مأرب، لاحظت دعاء أمين، خريجة العلوم السياسية، أن معاهد القيادة التقليدية لا توفر بيئة مناسبة لتدريب النساء، كما أن مدة التدريب غالباً ما تكون قصيرة وغير كافية. دفعتها تجربتها الشخصية في معاناة التنقل أثناء دراستها إلى إطلاق إعلان بسيط لتعليم القيادة للنساء.

خلال أقل من خمسة أشهر، درّبت أكثر من 30 متدربة، معتمدة على سيارتها الخاصة، ومركزة على الجانب النفسي للمتدربات إلى جانب المهارات العملية. وتوضح أن كثيراً من الفتيات لديهن الرغبة في التعلم، لكنهن يواجهن صعوبة في الحصول على سيارة للتدريب أو مدربة متخصصة، ما يجعل وجود مشروع نسائي في هذا المجال استجابة مباشرة لحاجة قائمة.

أما في الحديدة، فتعمل أسماء الواقدي منذ خمس سنوات في تعليم القيادة، وتسعى حالياً إلى إطلاق برنامج منظم للفتيات يقوم على التدريب التدريجي وبناء الثقة بالنفس. وتقول إن كثيراً من المتدربات يحتجن دعماً نفسياً بقدر حاجتهن للتدريب العملي، خاصة في بيئات مختلطة قد تزيد من شعور التوتر أو الخوف.

 

من مبادرة فردية إلى نشاط منظم

توضح هذه النماذج أن تعليم القيادة لم يعد مجرد خدمة فردية، بل بدأ يتخذ ملامح نشاط اقتصادي صغير. فالمبادرات تعتمد على رسوم محددة، وجدول تدريبي منتظم، وعدد متزايد من المتدربات أسبوعياً. بعض المدربات يعملن بدوام كامل، وأخريات يسعين لتوسيع مشاريعهن عبر افتتاح مراكز رسمية أو استئجار ساحات تدريب مخصصة.

وتبرز هنا مسألة التنظيم القانوني. إذ يشير غانم مرح، مدير شرطة السير في محافظة مأرب، إلى أن هذه المبادرات تمثل خطوة إيجابية في تعليم أساسيات القيادة، لكنه يؤكد أهمية حصولها على التراخيص اللازمة من وزارة الداخلية حتى تُعتمد رسمياً لدى إدارات المرور، بما يمكّن المتدربات لاحقاً من استخراج رخص قيادة وفق الإجراءات القانونية.

هذا البعد التنظيمي، وإن كان يشكل تحدياً أمام بعض المبادرات، إلا أنه يفتح في الوقت ذاته نقاشاً حول إمكانية تطوير هذا النشاط إلى قطاع تدريبي منظم تقوده النساء، ويوفر لهن فرص عمل مستدامة.

 

تحديات… وسوق واعدة

لا تخلو هذه المشاريع من صعوبات، أبرزها أزمات الوقود المتكررة، وتكاليف صيانة السيارات، إضافة إلى النظرة الاجتماعية المحافظة في بعض المناطق. ومع ذلك، ترى المدربات أن الإقبال المتزايد يعكس تحولاً تدريجياً في نظرة المجتمع، خاصة مع إدراك الأسر لأهمية تمكين النساء من مهارات تسهّل حياتهن اليومية.

وتؤكد سميرة عبداللطيف، الصحفية والناشطة الحقوقية، أن هذه المبادرات تمثل استجابة عملية لحاجة حقيقية في ظل ضعف مراكز التدريب المخصصة للنساء. وترى أن وجود مدربات يخلق بيئة آمنة ومريحة، ويشجع الأسر على تقبل الفكرة، ما يساهم في توسع هذا النشاط تدريجياً.

 

مهارة تتحول إلى فرصة

بالنسبة للمتدربات، لا تتوقف النتائج عند حدود إتقان القيادة. تقول ألفت الرفاعي، إحدى المتدربات، إن تعلمها القيادة غيّر نمط حياتها، ومنحها استقلالية أكبر في التنقل وإنجاز الأعمال. لكن من زاوية أوسع، فإن هذه القصص الفردية تعكس أيضاً نجاح نموذج ريادي نسائي في اقتناص فرصة داخل سوق غير مستغل.

في بلد تتقلص فيه فرص العمل أمام النساء، تحولت عجلة القيادة إلى أكثر من مجرد مهارة؛ أصبحت مدخلاً لمشروع صغير، ومجالاً مهنياً جديداً، تقوده نساء لأنفسهن، ويفتح لغيرهن طريقاً نحو استقلال اقتصادي أوسع.

وبينما لا تزال هذه المبادرات في طور النمو، فإنها تشير إلى ملامح سوق ناشئة، قد تتوسع مستقبلاً إذا ما حظيت بتنظيم رسمي ودعم مؤسسي. وحتى ذلك الحين، تستمر هذه المشاريع في رسم مسار مختلف، حيث تقود النساء الطريق… حرفياً ومهنياً.