...
لتسجيل إعجابك!!! يرجى تأكيد التسجيل من خلال اللإيميل تأكيد الحساب
لتسجيل إعجابك!!! يرجى تسجيل حسابك معنا إنشاء حساب
رمضان بين الروح والواقع

 

 

يوميات النساء والصبر الصامت

 

✍️ هالة محمد الجرادي

 

في الوقت الذي يُنظر فيه إلى شهر رمضان بوصفه موسمًا للسكينة والروحانية والتقرب إلى الله، تعيش كثير من النساء وجهًا مختلفًا للشهر الفضيل؛ وجهًا تتضاعف فيه الأعباء المنزلية، وتتراجع فيه فرص الراحة والعبادة، في مشهد يثير تساؤلات حول عدالة توزيع المسؤوليات داخل الأسرة.

رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر توازن روحي، تحوّل في بعض البيوت إلى موسم تنافس في تنوع الأطباق وتعدد الولائم، ما جعل المطبخ مركز الثقل اليومي للنساء، وألقى عليهن مسؤوليات متراكمة تبدأ مع الفجر ولا تنتهي إلا بعد ساعات متأخرة من الليل.

أعباء تتزايد مع الهلال

مع إعلان دخول الشهر، تبدأ الاستعدادات بوتيرة متسارعة. إعداد وجبتي الإفطار والسحور، التنظيف، ترتيب المنزل، استقبال الضيوف، وتجهيز العزائم، جميعها مهام تتكدس غالبًا على عاتق المرأة، سواء كانت ربة منزل أو موظفة.

تقول أم لجين، ربة منزل وأم لأربعة أطفال:

«أشعر أن رمضان يمرّ عليّ وأنا أعمل أكثر مما أعيش روحه. بين المطبخ والترتيب والعزائم، لا يبقى لي وقت كافٍ للعبادة أو حتى للجلوس مع نفسي».

وتشير إلى أن ساعات الصيام الطويلة لا تقتصر على الامتناع عن الطعام، بل تمتد لتشمل الصمت عن التعب، وتجاهل الإرهاق، وتقديم احتياجات الأسرة على احتياجاتها الشخصية.

 

صيام من نوع آخر

 

لا تصوم كثير من النساء عن الطعام فقط، بل يصمن عن الشكوى، وعن التعبير عن الإرهاق، خشية أن يُفهم ذلك على أنه تقصير في أداء “الواجب”.

بين أذان الفجر وأذان المغرب، تمضي ساعات من العمل المتواصل، لا تُحتسب ضمن فضائل الشهر، ولا تُذكر في أحاديث المجالس الرمضانية.

وتوضح أسماء، طالبة جامعية، أن المشكلة لا تكمن في العزائم بحد ذاتها، بل في غياب الهدف منها، قائلة:

«لو وُجِّهت هذه الموائد لمن يحتاجها فعلاً، للفقراء أو للغرباء، لشعرنا أن للتعب معنى، وأن للأجر طريقًا أوضح».

 

الولائم بين العادة والرسالة

 

تتوسع دائرة المسؤوليات خلال الشهر لتشمل استضافة الأقارب والأصدقاء في ولائم متكررة، ما يضيف أعباءً إضافية. ويرى ناشطون اجتماعيون أن روح الشهر تتجلى حين تُوجَّه موائد الإفطار إلى مستحقيها من الفقراء والعمال والمغتربين، بدل أن تقتصر على اللقاءات الاجتماعية المتكررة بين الميسورين.

ويؤكد هؤلاء أن إعادة توجيه ثقافة العزائم نحو التكافل الحقيقي من شأنه أن يخفف الضغط عن النساء، ويعيد للموائد الرمضانية معناها الإنساني.

دعوات لإعادة التوازن

 

في مقابل هذه الصورة، ترتفع أصوات نسائية تطالب بإعادة النظر في إدارة الشهر داخل الأسرة، بما يضمن توزيعًا عادلًا للمهام، ويمنح المرأة حقها في العبادة والراحة النفسية.

من منظور كثيرات، لا ينبغي أن يُختزل رمضان في موائد عامرة، بل يفترض أن يكون فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز قيم الرحمة والتكافل، داخل البيت كما خارجه.

فالصيام، في جوهره، ليس امتلاء موائد، بل امتلاء قلوب بالسكينة.

وإذا كان رمضان شهر الرحمة، فإن أولى صور هذه الرحمة أن تبدأ من داخل الأسرة، بعدالة الأدوار، واحترام الجهد، ومنح الجميع فرصة متساوية لعيش روح الشهر، لا مجرد خدمته.