نساء في مرمى الغدر: تصاعد جرائم القتل يهدد أمن المرأة اليمنية
✍️: هالة محمد الجرادي
في زمنٍ يتسارع فيه كلُّ شيءٍ إلاّ العدالة، تتوالى الحكايات الموجعة عن نساءٍ بُترت أحلامهن قبل أن تكتمل، وصارت أسماؤهن عناوينَ مأساةٍ تتكرر في كل مدينة وقرية.
تفاقمت حوادث القتل في بلدٍ أنهكته الحرب والصراعات، فعمّقت الجراح في نفوس ملايين المواطنين، واتسعت رقعة الألم لتُزهق الأرواح البريئة تحت ذرائع واهية، ويُغتال الصوت الأنثوي مرتين: مرةً برصاص الغدر، ومرةً بصمت العالم.
تعددت الأسباب، وتنوعت المناطق، واختلفت الضحايا، لكنّ القتل ظلّ السمة الأبرز لما يجري، والجريمة هي ذاتها تتبدّل ملامحها، لكن بشاعتها واحدة، تنزف الألم ذاته في كل مرة.
واقعٌ مؤلم يعكس تصاعد العنف ضد النساء في مجتمعٍ يئنّ تحت ثقل الصمت والتبرير، حيث تحوّل الخطر إلى شبحٍ يلاحق كل امرأةٍ تسعى لتعيش بكرامة وأمان.
قُتلت إفتهان المشهري بدمٍ بارد، في جريمةٍ لم يكن جديدها سوى أن الضحية امرأة.
تكررت مشاهد الاغتيال في شوارع الحالمة تعز لتقضّ مضجعها، وتكشف عن حقدٍ دفينٍ يعبث بأمن المدينة ويزرع الخوف في قلوب أهلها.
كانت إفتهان مثالًا للمرأة المكافحة، عُرفت بنشاطها و وطنيتها وإخلاصها في عملها، لكن يد الغدر اختارت أن تُسكت صوتها، لتبكيها تعز بحرقةٍ لا تهدأ، وتُودّع معها صفحةً من النقاء والعطاء.
لم يلتئم بعد جرح مقتل إفتهان المشهري، حتى باغتت اليمنيين فاجعةٌ جديدة باغتيال الأكاديمية الدكتورة وفاء المخلافي في صنعاء.
جاءت الحادثة في ظروفٍ غامضةٍ تثير الأسى والذهول، لتضيف وجعًا آخر إلى سجلّ العنف المتصاعد ضد النساء.
ورغم ما أُشيع من أنّ السرقة كانت الدافع وراء الجريمة، إلا أن الغموض لا يزال يلفّ التفاصيل، تاركًا وراءه أسئلةً مؤلمة عن واقعٍ يزداد قسوةً يومًا بعد آخر.
وفي حادثة ليست بالبعيدة
قُتلت فتاة شابة قدمت من الحديدة إلى صنعاء حديثاً بعد زواجها بشهر واحد فقط. خرجت الضحية لاستلام أول حوالة يرسلها زوجها المغترب، وهو مبلغ بسيط لا يتجاوز ألفي ريال سعودي، فاعترضتها عصابة سرقة كان من افرادها سائق سيارة أجرة يتصيد الفريسة فأوقع بها قتيلة بعد سرقتها .
كذلك انتشرت حوادث اختطاف فتيات وطالبات مدارس بعضهن لا زال مصيرهن مجهولا والبعض الآخر عثر عليهن جثث مقطعة الأجزاء.
توضح الأستاذة شادية احمد محامية وحقوقية
إن تنامي جرائم العنف والقتل ضد النساء يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها ضعف الوازع الديني والإنساني، وغياب الردع القانوني نتيجة قصور في تنفيذ التشريعات القائمة. كما تسهم التعبئة الذكورية وخطابات التحريض والكراهية، إضافة إلى حملات التشهير التي تستهدف بعض النساء، في خلق بيئة خطرة تمهّد لارتكاب مثل هذه الجرائم.
و ينص القانون اليمني على عقوبات مشددة ورادعة، تصل إلى القصاص أو السجن المؤبد في جرائم القتل. غير أن الإشكالية تكمن في ضعف تطبيق القانون، وعدم تفعيل أدوات الردع بالشكل الذي يضمن العدالة ويردع الجناة.
فيما يستغل الجناة طول أمد التقاضي وبطء الفصل في القضايا لدى الجهات القضائية.
و الوضع الأمني الهش والانفلات الذي يتيح للهم فرصة للهرب أو التلاعب بمسار القضايا.
و تكرار مثل هذه الحوادث يحمل رسالة خطيرة تهدف إلى ترهيب النساء، ولا سيما الأكاديميات والناشطات والمثقفات الساعيات للقيام بدور فاعل في المجتمع. وهو سلوك يستهدف إسكات أصوات النساء ومنعهن من الوصول إلى حقوقهن والمشاركة في الحياة العامة، وحصرهن في دائرة تنتقص من قيمتهن ودورهن الإنساني والاجتماعي.
ما يزيد الجراح عمقًا هو غياب العدالة، فالكثير من الجرائم تمرّ دون تحقيقات شفافة أو محاكمات عادلة.
هذا الصمت الرسمي يقابله استنكار واسع في الشارع اليمني ومنظمات المجتمع المدني، التي تطالب بوقف مسلسل العنف ضد النساء وإعادة الاعتبار لحقّهن في الحياة والأمان.
لم تعد جرائم القتل ضد النساء مجرد حوادث عابرة، بل مؤشرًا خطيرًا على انهيار منظومة القيم والعدالة.
آن الأوان أن تتحرك السلطات والمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا.