...
لتسجيل إعجابك!!! يرجى تأكيد التسجيل من خلال اللإيميل تأكيد الحساب
لتسجيل إعجابك!!! يرجى تسجيل حسابك معنا إنشاء حساب
أطفال اليمن بين برد الشتاء وقسوة الفقر

أطفال اليمن… بين برد الشتاء وقسوة الفقر وطريقٍ قاسٍ نحو سوق العمل

تقرير / أمةالمجيد البكري

في شتاء اليمن القاسي، حيث يلسع البرد أجساد الصغار وتشتدّ ليالي المخيمات ظلمة ووحشة، تتكشف حكايات آلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم يسلكون طريق العمل بدل طريق المدرسة. لم يكن هذا التحوّل خياراً، بل نتيجة حتمية لانهيار الأوضاع الاقتصادية، وعجز كثير من الأسر عن توفير أبسط احتياجاتها الأساسية، في ظل غياب المعيل أو انقطاع مصادر الدخل.

في الشوارع والمنتزهات، يملأ الأطفال المشهد؛ يحملون قوارير الماء أو علب المناديل، يمسحون زجاج السيارات، يعملون في المطاعم والبوفيهات، أو في الورش الميكانيكية. ومع حلول الشتاء، تتضاعف معاناتهم، خصوصًا من يعملون في الأماكن المكشوفة، حيث يواجهون البرد القارس بلا ملابس ثقيلة تقيهم، فيما تقف أسرهم عاجزة عن توفير ما يخفف معاناتهم. وهكذا يصبح الطفل ـ رغم صغر سنه ـ مصدر الدخل الذي تعتمد عليه الأسرة للبقاء.

وتعكس بيانات اليونيسف حجم المأساة. ففي آخر إحصائية رسمية صادرة في أكتوبر 2024، تبيّن أن 16٪ من أطفال اليمن بين 5 و17 عامًا يعملون، منهم 14٪ في أعمال تُصنَّف بأنها خطرة على صحتهم وسلامتهم. وتزداد الصورة قسوة مع ارتفاع نسبة عمالة الفتيات إلى 18٪ مقابل 14٪ من الذكور، في مؤشر خطير على اتساع رقعة الفقر وانهيار منظومة الحماية.

هذه النسب ليست مجرد أرقام، بل وجوه صغيرة كان يفترض أن تحمل حقائب المدرسة، فإذا بها تحمل أدوات العمل. يبدأ كثير منهم نهارهم قبل شروق الشمس، وينتهون منه بعد حلول الظلام، لسد رمق أسر فقدت المعيل بسبب الحرب أو المرض أو الفقر.

ويترك العمل المبكر أثراً عميقاً على حق الأطفال في التعليم. إذ تظهر بيانات اليونيسف أن الأطفال غير العاملين يتمتعون بحضور مدرسي أعلى بكثير من العاملين، ما يعني أن سوق العمل يسحب الطفل تدريجيًا بعيداً عن مقاعد الدراسة، ليجد نفسه داخل حلقة فقر متوارثة لا تنتهي. ومع غياب الدعم الاجتماعي الكافي، تتحول عمالة الأطفال إلى وسيلة اضطرارية للنجاة، رغم ثقلها النفسي والجسدي على الصغار.

ومع كل شتاء جديد، تزداد الأزمة تعقيداً: البرد لا يرحم، ونسبة الفقر تتزايد، والأطفال يقطعون طرقاً طويلة محمّلين بأعباء تفوق أعمارهم. وبرغم ضبابية المشهد، يبقى بصيص أمل في أن تتوسع برامج الحماية، والمساعدات الشتوية، وفرص التعليم، لانتشال هؤلاء الأطفال من سوق العمل وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة، وتخفيف العبء عن أسر منهكة.

إن مأساة أطفال اليمن بين برد الشتاء وانهيار الاقتصاد ليست قصة عابرة، بل واقع يعيشه مئات الآلاف يومياً. واقع يصرخ بأن هؤلاء الصغار يحتاجون بل يستحقون فرصة للطفولة، وفرصة للتعلم، وفرصة لحياة كريمة بعيدًا عن عبء العمل المبكر. .