تقرير / هدية الجلال
تقول أم محمد، وهي نازحة تتكئ على جدران خيمتها المهترئة: “تتمدد الكآبة في أيامي كما تتمدد أكوام القمامة من حولي، تحاصرني كما تحاصرني هذه الخيمة الضيقة… كل شيء من حولي فقد طعمه، وغدا لا طعم له”.
تختصر كلماتها الحزن الذي يسكن قلوب الآلاف من النازحين والنازحات، وتجسّد صورة حيّة لمعاناة لا تقتصر على فقدان المأوى والخبز، بل تمتد إلى أعماق الروح. فالاكتئاب لم يعد مجرد اضطرابٍ نفسي، بل صار ظلًا طويلًا يرافق خطوات الناس في طرقاتٍ مليئةٍ بالدمار والخذلان.
الاكتئاب هو ذاك الحزن الثقيل الذي لا يزول، والشعور الدائم بفقدان الرغبة والقدرة على التذوق، لا للطعام ولا للحياة. يسرق النوم، ويشوّه الشهية، ويطفئ طاقة الإنسان شيئًا فشيئًا، حتى تغدو الحياة مجرّد حملٍ لا يُحتمل.
وفي البلاد التي تنوء تحت وطأة الحروب والأزمات، تتضاعف المعاناة. فقد أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن ربع سكان اليمن – أي أكثر من خمسة ملايين إنسان – يعيشون صراعًا داخليًا مع اضطراباتٍ نفسية، يحتاجون جميعًا إلى تدخلٍ عاجل. ومع ذلك، فإن من يحصلون على دعمٍ نفسي وخدماتٍ متخصصة لا يتجاوزون قلّةً ضئيلة، بحدود 120 ألف شخص فقط، في بلدٍ يئنّ تحت احتياج سبعة ملايين.
المرأة تحديدًا تبدو من أكثر الفئات انكسارًا أمام هذا الواقع القاسي؛ فهي التي تحمل أعباء البيت، وتخوض صراع الحياة اليومي لتأمين لقمة العيش لأطفالها، بينما يلاحقها شبح الخوف من المستقبل. كم من امرأةٍ فقدت زوجًا أو ابنًا تحت ركام الحرب؟ وكم من أمٍّ بكت يدًا أو قدمًا مزّقها لغم؟ وكم من عائلةٍ شُرّدت من بيتها، فاستقرت بين جدران خيمةٍ باردةٍ لا تقي بردًا ولا حزنًا؟
تلك الجروح الغائرة دفعت بالكثير من النساء إلى هوّة اليأس، حيث يغدو الصبر ثقيلًا، والنهار مجرّد امتدادٍ لليل.
ورغم أن الأزمة النفسية تتفاقم يومًا بعد يوم، فإن الأمل في العلاج ضئيل، إذ تشير الأرقام إلى أن عدد الأطباء النفسيين في اليمن لا يتجاوز 58 فقط، وعدد الأخصائيين النفسيين بالكاد يصل إلى 120، معظمهم في العاصمة. فكيف يمكن لأيدٍ قليلة أن تمتدّ لآلاف الأيادي المرتجفة؟
ويزيد الطين بلّةً ذلك الصمت المجتمعي، إذ يخشى الكثيرون من طلب المساعدة خوفًا من وصمة العار. فالمريض النفسي في نظر المجتمع ليس بحاجةٍ إلى علاجٍ بقدر ما هو متّهمٌ بالجنون. وهكذا يظلّ الكثيرون أسرى صراعٍ داخليٍّ صامت، يبتلع أيامهم ولياليهم حتى تنطفئ أرواحهم في عزلةٍ قاتلة.
لكن الاكتئاب ليس مجرّد معاناةٍ شخصية؛ إنه نزيفٌ خفيٌّ يترك آثاره على من حول المريض، على أطفاله وأحبّته ومجتمعه، فهو يعطّل طاقاته، ويغلق أمامه أبواب العمل والإنتاج، ليخسر المجتمع معه رافدًا ثمينًا من روافده الإنسانية.
من هنا تتأكد الحاجة الماسّة إلى كسر الصمت، وتعزيز الوعي بأهمية الصحة النفسية. أن نمدّ أيدينا لا بالسخرية أو الاتهام، بل بالتعاطف والمساندة. أن نصنع دوائر أمانٍ نفسية، نوفر فيها للمصاب مساحةً ليتحدث، وينخرط في أنشطةٍ ترفيهيةٍ أو رياضية، أو حتى جلسةٍ إنسانيةٍ تُشعره بأنه ليس وحيدًا في هذه المعركة.